أحمد بن محمد ابن عربشاه

486

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

وحشتك ، وأفصح بكلامك عن كمالك ، وعن مقامك بمقالك ، فعباراتك عقيلة العقل وواسطة عقود النقل ، فإن كان عندك نصيحة تصلح للملوك ، أو وصية ترشد أهل السلوك ، يبين العدل بنورها طرائقه ، ويزين العقل بمجازها حقائقه ، وتستقيم بها الأمور ويستفيد منها الجمهور ، أو نوع رفع مظلمة أو حط مأثمة ، أو كشف بلوى ، أو بث شكوى ، أو حاجة في نفسك وما قاسيته في يومك وأمسك ، أو لطيفة تشرح بها الصدور وتبسط بإيرادها الحضور ، فهذا وقت تشنيف المسامع بجواهرها ، ونثر دررها على بادي الحاضرين وحاضرها ، فإن المحل قابل ، وعنك الإصغاء إلى أطواق لطائفك مائل ، ومجال الحلم لذاك واسع ، وسجال الكرم داسع « 1 » ، وفاعل الصنيعة صانع ، وكف اللطف معط لا مانع . فقال الحجل ، بعد أن زال الخجل وحال الوجل وجال الزجل ، من غير ريث ولا عجل : الحمد لله الذي آسى جراحنا ، وأحيا بعد التلف أرواحنا ، قد كنا في بيداء الحيرة والهلاك ، وظلماء الضر والخوف في انهماك ، ومرت علينا سنون ونحن في الخسار والغبون ، ونار الاشتياق تضطرم وبواعث تقبيل الاعتاب الشريفة السلطانية في الفؤاد تزدحم ، إذ قد انتشر جناح عدلها ونجاح ظلها ، وسماح وابلها وطلها ، وكرر كل لسان محامد فضلها ، واشتهر لكل حيوان مآثر نبلها فهي أمان كل مخوف ، وملجأ كل ملهوف ، لكن كانت العوادى تفرع تلك الدواعي ، وغواشى الحوادث تعترض دون المساعى ؛ تارة باكتناف المخاوف ، وطورا باحتفاف الخواطف ، وحينا بضعف المباني ، وآونة بعدم المعاون والمعاني ، والآن يا ملك الزمان بحمد الله المنان ، أزحنا المهالك والمهاوي ، واسترحنا من ضرب المسالك والمساوى ، إذ قد طرنا بجناح النجاح ، من جنح الجناح ، وصرنا إلى محل السماح والرباح ، فزالت

--> ( 1 ) مملوء .